السيد محمد حسين فضل الله

165

من وحي القرآن

فَرِهانٌ : الرهان مصدر أو جمع رهن ، والرهن ما يوضع وثيقة لدين المرتهن . المعاملات المالية في القرآن في هاتين الآيتين جولة تشريعية حول أحكام الدّين في ما يراد توثيقه وإثباته ، من أجل أن لا يكون هناك مجال لإنكاره من قبل المدين في الحالات التي لا يوجد هناك أي مستند للدائن عليه ، فقد أراد اللَّه أن يكتب الدين بشكل موثّق لا يدع مجالا للالتباس والإنكار ، ودعا الكاتب الذي يحسن الكتابة إلى أن يستجيب لذلك إذا طلب منه ، وحثّ على الشهادة ، وطلب من الشهداء أن لا يمتنعوا إذا دعوا إلى تحمّلها ، كما لا يجوز لهم الامتناع إذا دعوا إلى إقامتها . ثم أشار إلى تشريع الرهن إذا لم يكن هناك مجال للكتابة ، ثم ترك المجال للمسلمين أن يتعاملوا على أساس الثقة المتبادلة التي تدفعهم إلى الوثوق ببعضهم البعض من دون حاجة إلى الإشهاد والكتابة . وهكذا نجد في هاتين الآيتين برنامجا عمليا إرشاديا يريد اللَّه - من خلاله - أن يخطط للإنسان علاقاته الماليّة لئلا تدخل في أوضاع سلبيّة تهدم العلاقات الإنسانية في نهاية المطاف ، ولكن قد يرد هنا سؤال لماذا كل هذا ؟ إن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن ، بالدقة التي تتحدث عنها هاتان الآيتان ، قد يترك انطباعا سلبيا في ما يتعلق بالعلاقات ، ويلقي ظلّا من الشك على تصور الوثاقة في علاقات المؤمنين بعضهم مع البعض الآخر ، فإذا كانت العلاقات المالية تحتاج إلى الإثبات والتوثيق ، فأين تقف ثقة المؤمنين